محمد بن وليد الطرطوشي

258

سراج الملوك

قال ذو النون « 1 » : بداية السخاء ، أن تسخو نفسك بما في يديك ، ونهايته أن تسخو نفسك بما في أيدي الناس ، وأن لا تبالي من كل الدنيا . وتذاكر قوم من الزّهّاد عند رابعة العدوية « 2 » فجعلوا يذمّون الدنيا ويكثرون من ذلك ، فقالت رابعة : من أحب شيئا أكثر من ذكره . وأصل السخاء هو السماحة ، وأن يؤتى ما يؤتيه عن طيبة نفس وانشراح صدر « 3 » . وقد يكون المعطي بخيلا إذا صعب عليه البذل ، والممسك سخيّا إذا كان لا يستصعب العطاء وإن منع ، ولهذا قال علماؤنا : إن الله تعالى لم يزل جوادا وإن لم يقع منه عطاء في الأزل ، لأن العطاء فعل ، والفعل في الأزل مستحيل . وقالت الحكماء : أيها الجامع لا تخدعنّ ، فالمأكول للبدن ، والموهوب للمعاد ، والمتروك للعدو . وقال الله تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] . قال أبو هريرة رضي الله عنه ، جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه : إني جائع فأطعمني ، فبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى أزواجه ، فقلن : والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : ما عند رسول اللّه ما يطعمك الليلة ، ثم قال : من يضيف هذا هذه الليلة رحمه اللّه ؟ فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول اللّه ، فحمله إلى منزله ، وقال لأهله : هذا ضيف النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأكرميه ولا تدخري عنه شيئا ، فقالت : ما عندنا إلا قوت الصبية ، فقال فعلّليهم « 4 » عن قوتهم حتى يناموا ، ثم اسرجي وابرزي « 5 » فإذا أخذ الضيف يأكل ، قومي كأنك تصلحين السراج فأطفئيه ، وتعالي تمضغ ألسنتنا لضيف النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ففعلت ، وجعلا يمضغان ألسنتهما ، والضيف يظن أنهما يأكلان ، وباتا

--> ( 1 ) ذو النون : هو أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم : صوفي مصري من الكبار أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية توفي بالجيزة سنة 245 ه . ( الأعلام 2 / 102 ) . ( 2 ) رابعة العدوية : متصوفة صالحة مشهورة من البصرة تنسكت واشتهرت بأخبارها في العبادة وأدخلت على التصوف فكرة الحب الإلهي بدلا من الخوف والرهبة توفيت 135 ه بالقدس . ( الأعلام 2 / 10 ) . ( 3 ) [ انشراح صدر ] سقطت من ( ط ) . ( 4 ) علّليهم : أشغليهم . ( 5 ) اسرجي وابرزي : أوقدي السراج وأخرجي .